عين القضاة

مقدمة 46

شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان

وفاض نور القمر على الأرض فلا شك أن نور القمر غير مستحق الوجود بذاته بل من الشمس ، فكيف يصلح نور القمر مع هذا النقصان أن يجعل سهبا لوجود النور الفائض على الأرض ؟ وليتأمل الناظر في هذا تأملا شافيا وليستفت في ذلك نفسه ، فلا شك في أنه لو نظر بعين الإنصاف رأى نور الشمس أولى بأن يجعل سببا لنور الأرض من نور القمر ؛ فإن نور القمر إذا لم يكن له وجود فكيف يكون له ايجاد والايجاد فوق الوجود بالضرورة والوجود قبل الايجاد بالطبع ؟ نعم لو يسمى نور القمر سببا من طريق الاصطلاح فلا مشاحّة في ذلك ؛ ولكن لا يجوز أن يغفل عن تبعيّة نور القمر لنور الشمس ، وأنه لولا نور الشمس لم يكن لنور القمر أصلا وجود . فالحق أن من أثبت صلاحية السبب لغير الواجب الحق بذاته القيوم في صفاته ، فقد أشرك وأثبت له نظيرا ، وكان كمن أثبت القمر مشاركا للشمس في ايجاد النور . ولا شك أن الواجب لو فرض عدمه لم يبق في الوجود شئ أصلا : فإذا لا يستغنى عن الواجب شئ في شئ ، إذ ليس يبقى مع عدمه وجود شئ . فالعجب كل العجب من عاقل يفهم ذلك حق الفهم ثم يتوقف عن قبول كونه أولى بالسببية من غيره . الفصل الواحد والأربعون ( كيف نحصر صفة الخلق بالواجب مع أن وجود بعض الأشياء شرط في وجود البعض الآخر ؟ ) الحق أن قولنا الواجب أولى بالسببية من غيره يشعر بنقصان عظيم في الواجب ؛ فكأنه يشير إلى استحقاق غيره لشئ ولكنه أولى بالاستحقاق ، واستحقاق غيره لشئ